سيف الدين الآمدي

141

أبكار الأفكار في أصول الدين

تعالى : - وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ « 1 » وقال في وصف ما أنزل عليه هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وقال وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ « 2 » وإنما يكون كذلك أن لو عم حكمه للجميع . وقد ورد عنه - عليه السلام - أخبارا في ذلك تنزل منزلة التواتر وإن كانت آحادها آحادا ، فمن ذلك قوله عليه السلام « بعثت إلى الأحمر والأسود » « 3 » وقوله « بعثت إلى الناس كافة » « 4 » وقوله « لو كان اخى موسى حيا لما وسعه إلا اتباعى » « 5 » إلى غير ذلك من الأخبار / الكثيرة . ويدل عليه ما اشتهر عنه وتواتر من دعائه طوائف الجبابرة ، وغيرهم من الأكاسرة ، وسعيه إلى أقاصي البلاد ، وملوك العباد إلى الدخول في ملته ، وإجابة دعوته ، وقتال من جحد بنبوته من أهل الكتاب ، وغيرهم ممن هو خارج عن قبائل العرب « 6 » . ثم كذلك على سنة الصدر الأول من المسلمين مع علمنا بأن ذلك الجمع الكثير ، والجم الغفير ممن لا يتصور على مثلهم التواطؤ على الباطل عادة ، ولا سيما مع ما كانوا عليه من شدة اليقين ، ومراعاة الدين ، فلو لم يعلموا منه ضرورة أنه مبعوث إلى الناس كافة ، والأمم عامة وإلا لما فعلوا ذلك رعاية للدين ، ثم إنه ترك للدين ، وكذلك أيضا من جاء من بعدهم على سنتهم ، وهلم جرا إلى زمننا هذا ، ولو لم يكن رسولا على العموم ؛ لزم أن يكون قد كذب في دعواه ، وأبطل فيما أتاه ؛ وذلك محال في حق من ثبتت عصمته عن الكذب في الرسالة بالمعجزة القاطعة ، ولو جاز ذلك عليه مع ظهور المعجزة على يده ؛ لكان ذلك جائزا في حق موسى عليه السلام ؛ وهو محال . وإذا ثبت صدقه بالمعجزات والآيات الواضحات ، فقد قال - عليه السلام « لا نبي بعدى » ونزل الكتاب العزيز مصدقا له في ذلك بقوله - تعالى - وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ « 7 » واشتهر ذلك فيما بين

--> ( 1 ) سورة سبأ : 34 / 28 . ( 2 ) سورة آل عمران 3 / 138 . ( 3 ) جزء من حديث شريف عن أبي موسى قال : قال رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - أعطيت خمسا : بعثت إلى الأحمر والأسود . . . الخ ( تهذيب الخصائص النبوية الكبرى رقم 569 ص 392 ) . ( 4 ) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما . البخاري 1 / 369 - 371 ومسلم حديث رقم ( 521 ) . ( 5 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 3 / 383 ، وأورده الألبانى في إرواء الغليل 6 / 34 حديث رقم 1589 وعزاه إلى أحمد وقال حديث حسن ط : المكتب الإسلامي . ( 6 ) فقد أرسل كتبه ورسله إلى كسرى وقيصر والمقوقس وغيرهم من ملوك الأطراف يدعوهم إلى الإسلام . عن أنس - رضي اللّه عنه - أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى . ( تهذيب الخصائص النبوية الكبرى للسيوطي رقم 248 ص 221 ) . ( 7 ) سورة الأحزاب : 33 / 40 .